سيد محمد طنطاوي

281

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

المسلم في حياته فقال في حديثه الصحيح : « أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا اللَّه العافية . فإذا لقيتموهم فاصبروا . واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف » « 1 » . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال من سبقهم ، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم ، وأن يعلموا أن الحياة لا تخلو من نصر وهزيمة ، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من الطيب ، وأن يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق ، وصبر طويل ، وجهاد شديد ، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه . ثم تمضى السورة الكريمة في حديثها عن غزوة أحد ، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عندما أشيع بأن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد قتل ، وترشدهم إلى أن الآجال بيد اللَّه ، وأن المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم في سبيل إعلاء كلمة اللَّه بدون ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم في ذلك ، وأن اللَّه - تعالى - قد تكفل بأن يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين في سبيله أجرهم الجزيل في الدنيا والآخرة . استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعاني بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 144 إلى 148 ] وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِه الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْه فَلَنْ يَضُرَّ اللَّه شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّه الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه كِتاباً مُؤَجَّلًا ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِه مِنْها ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِه مِنْها وسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا واللَّه يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا وانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّه ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد ج 4 ص 62 ومسلم في كتاب الجهاد والسير ج 5 ص 13 .